أحمد بن محمد ابن عربشاه
134
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
قالت : أما الحاكم على نفسه : فهو المالك لزمام جوارحه وحسه ، قد جعل خزائن القلب والسمع معدنا لجواهر العقل والشرع ، فمهما اقتضاه العقل مضاه وعمل بمقتضاه ، وما ارتضاه الشرع وقضاه كان فيه انقياده ورضاه ، قد تحلى بعقود مكارم الأخلاق ، ولو كان في أسمال « 1 » أخلاق ، وشغل نفسه بتهذيبها ، واجتهد في خلاصها من شرك عيوبها ، واهتم بعيوبه عن بعيده وقريبه وبغيضه وحبيبه ، فذلك الحاكم على نفسه المميز على أبناء جنسه . وأما حكمه على غيره : فهو أن يكون في سلوكه وسيره منعزلا عن الناس في زوايا الباس ، لا يسأل عن أحوالهم وعيوبهم ، ولا ينظر إلى ما تحت أيديهم وجيوبهم ، مالكا لزمام العزلة ، متنعما بهذه النعمة الجزلة ، قد اتخذ التقوى والقناعة أحسن حرفة وأربح بضاعة ، قد سلم الناس من يده ولسانه « 2 » لا يدرى بشأنهم ، ولا يدرون بشأنه ؛ فذلك الحاكم على غيره الفائز من ملك الدارين بخيره . فهو الذي خلد ملكه وسلطانه واتضح للعالمين برهانه . فإن وجد بهذه الصفات مواف فإنه لي كفء مكافى ، وإنه كالبدر جلى نقى الصدر لله ولى ، فإذا أنعم الزمان بمثل هذا منالا ، فنعم نعم وإلا فلا . لا فجعل ملك الختن يتطلب مثل هذا الختن ، وأرسل القصاد إلى أطراف البلاد يسألون سكان الأكناف ، وقطان الأطراف عن موصوف بهذه الأوصاف ، واستمروا على ذلك مدة كل باذل جهده ، حتى أرشدوا بعد زمان أن المكان الفلاني فيه فلان ؛ رجل أعرض عن العرض ؛ فلم يكن له في
--> ( 1 ) القليل من كل شيء . ( 2 ) إشارة إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم « المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده » . وهو حديث أخرجه الترمذي : كتاب الإيمان ، باب ما جاء في أن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ( 2627 ) وقال الترمذي : حسن صحيح .